recent
أخبار ساخنة

ساعة في ثلاجة الطب العدلي - قصة قصيرة - القاص علي خليل الجنابي

 


اتحاد أدباء وكتاب بابل
المنتدى الأدبي الإبداعي 
الملتقى القصصي البابلي الأول 

القاص علي خليل الجنابي

النص
ساعة في ثلاجة الطب العدلي

وكأنها تلاحقني, أو تتبع خطوات أقدامي الوئيدة ...التي طالما انتقدني فيها أصدقائي والمقربون... فالمسافة بيننا كانت ثابتة, رغم تعمدي إلى الإسراع في المشي تارة, وتارة أخرى إلى الإبطاء, لكي أتيقن من حقيقة ملاحقتها لي, في ذلك الصباح الصيفي الحار, عطفت نظري إليها فجأة, وبدون تفكير مسبق, لأجدها تسير في اثري باسمة وواثقة, ولكي لا افجر فيها انطباعات النساء, في أيامنا هذه عن الرجال, أجبرت نفسي على عدم الالتفات لأي جهة ولأي سبب ,وبعد عناء من السير, في يوم حار في أوله, وتساؤلات تترى في ذهني عنها من تكون ؟ ولماذا تتبعني ؟ وماذا تريد؟ وصلت إلى موقف الحافلة, فارتقيتها دون أن انظر خلفي ,وجلست في الصف الثالث من الجانب الأيسر, لكي أتجنب شمس الصيف اللاهبة, التي كانت قد سخنت جلد كراسي الجهة اليمنى .
بعد لحظات رايتها تعتلي الحافلة ذاتها بتؤدة رتيبة, خطوة تلو خطوة, ولم تفارق شفتاها تلك الابتسامة الغضة, سرحت نظرها نحو العمق, كأنها تفتش عن شيء, لكنها سرعان ما أرخت جفنيها, فأطرفت نحو المكان الذي اقتعدته, فجلست بجانبي بهدوء,  و كان عطرها الذكي قد تسلل إلى انفي عنوة,كأن زهورا من الفردوس قد خزنت بين أعطافها .
ترتدي قميصا ضيقا, أثرى جسدها الممشوق جمالا مثيرا, و إطلالة رهيبة , و تنورة قصيرة قد بانت منها ركبتيها, عندما اعتلت ذلك الكرسي بجانبي , والحقيبة السوداء المزينة بحلقات عشوائية ملونة, كانت معلقة على كتفها, أنزلتها في حجرها, لتبعد ناظري عما يمكن أن يسترقه إلى مفاتنها,  بسبب ضيق ملابسها , كانت تتصرف و كأنها في بلاد أخرى اعتاد أهلها على هكذا نوع من الملابس المثيرة و الانوثية جدا , فقد كانت ذات شخصية قوية, تعرف ما تفعل وتفخر به, ولم يكن لديها شك في ذلك قيد أنملة , تظهر عليها ملامح الثقافة والدعة, لكنني استغربت من صعودها الى الحافلة البسيطة, التي كنت ارتقيها كل يوم لأذهب الى عملي, رغم ما يبدو عليها من ترف وغنى, ومن مثلها تقود سيارات فخمة فارهة, أو حتى بسيطة على الأقل, سيما وان حافلتي هذه قديمة, ذات محرك متهالك , ينفث الدخان كل الوقت, فيدخل إلى داخلها ليزعج الراكبين كل صباح, إما سائقها الفض , فكان لا يصمت أبدا يقضي طريقه بكلام وضيع, ومزاح تافه,لا يكلف نفسه مسح الكراسي, ولو كل يومين مرة واحدة , فان الركاب هم الذين ينظفونها , بأيديهم بواسطة مناديل ورقية , او مناديل القماش.
استأذنتني قبل الجلوس, والبسمة واضحة على وجهها الودود:
هل يمكنني أن اجلس في المكان هذا بجانبك أم انه محجوز؟
هل هذا المكان محجوز؟  كررت
كلا كلا تفضلي تف...  تفضلي.
أجبتها بنبرة المرتبك الخجول......
 و ها قد بدأ قلبي يعزف ألحانه المعتادة, كلما جلست بجانبي فتاة جميلة, أو أية امرأة كانت , فالنساء كلهن جميلات , ولكن جمال هذه الفتاة مختلف جدا, ولا ألوم نفسي إن استرقت النظر إليها, أو التشبع بعبق عطرها الأثير, فلم اعتد في مدينتي على نساء , بشعر مرسل وملابس قصيرة وضيقة, إلا قليلا جدا, وان كن كذلك , فلا يصلن إلى الرقي في تصرفاتها , نظراتها, ملابسها , وعطرها , حتى ابتسامتها , فحين تبتسم تتفتح الأزهار, وتتناغى الطيور في أعشاشها, وعلى الأغصان, وحين تتكلم ينبلج الربيع , وتعزف الأنهار نشيد الحياة.
تصبب جبيني عرقا غزيرا , فقد اجتمعت عليه حرارة الصيف اللاهبة, وحرارة خجلي منها , وخفق قلبي إليها, حتى حرصت على مسح العرق من جبهتي بيدي اليمنى فاليسرى , وما كنت منتبه إلى أنها عادة معيبة ومذمومة , في نظر الكثيرين الذين يفضلون استخدام المناديل لمعالجة الأمر, ففاجئتني بقولها:
تفضل.
و أعطتني قطعتين من (الكلينكس) المعطر, لأزيل عن وجهي ما تدفق الى سطحه, ولم أكن اقو على شكرها, فقد انعقد لساني فجأة , رغم ما يعرف عني من طلاقة في اللسان.
حاولت جاهدا أن أتنفس بعمق, لكي اهديء نفسي, و أبطيء قليلا من دقات قلبي الذي افتضحنى, ولا اشك أنها كانت تسمع نداءاته, وتضحك علي في داخلها , وقد تكون أحبت ذلك مبتهرة بجمالها, وتسر لارتباك الرجال أمامها, فتزداد يقينا بأنها ملاك يعجز القلب أن يهدا أمامها , نعم إنها ملاك حقا.
اعتقدت أنها كانت تصعد إلى الحافلات العامة قصدا , لتستعرض جمالها أمام اكبر عدد ممكن من الناس, أو هكذا تبادر إلى ذهني, من بين عدة أفكار أخرى, الى جانب اعتقادي أنها تلاحقني , ولكن لماذا تلاحقني ؟ وان كانت كذلك, لم لم تنده علي وتوقفني, قبل ارتقاء الحافلة ؟ إذن لماذا ارتأت أن تجلس بجانبي رغم أن مقاعد الحافلة الأخرى فارغة؟.
ففي وهلة اجزم على أنها تلاحقني, وفي وهلة أخرى استبعد ذلك, واستمررت في التساؤل حتى خلصت إلى أنني أبالغ جدا, والأمر ليس إلا محض توافق في الخطو والهدف.
جنحت إلى مسح العرق عن وجهي, وإعادة حالي إلى ما كانت عليه قبل إشراقها علي كشمس الصباح الفاتنة, فولدت في نفسي إحساس بالغبطة, وغرزت في فؤادي شعور بالحب والانجذاب , فأدركت في لحظة أنني أحب أو اشعر بذلك , إذن أنا رومانسي , فظهر لي زيف ما كان البعض يعتقده فيَ من موت قلبي, وانعدام الإحساس بجوارحي, ويرى أنني لست سوى آلة لا تعرف غير العمل والإخلاص فيه , فقد كنت اعمل بجد, ونجحت في ذلك جدا, فانكشف لي حسد من كان يحيط بي .
هدأت قليلا بعد بضع دقائق عصيبة , ولكنني صرت انزع إلى أمر آخر, هو إنني تمنيت أن اكلمها ويدور حديث بيننا, لكن الأمر لم يتجاوز النظرات المتبادلة , فكان لا بد لي أن اكسر ذلك الصمت, فالأحاديث تتفتح بأي سؤال أو قول بسيط, فتولت في ذهني فكرة فقلت لها:
كم الأجرة ؟
وكأنني لم اجلس بمثل هذه الحافلة يوما .
أجابت مبتسمة كعادتها:
لا اعرف.
وما كان يقتلني فيها ويثير فيَّ مكامني, ابتسامتها المثيرة وإطلالتها النضرة, فبدوت أنني أساعدها فسالت احد الركاب عن الأجرة .
كم الأجرة يا سيدي؟
لا اعرف أنا شخص غريب عن المكان...أجاب
كم الأجرة يا ولدي...نعم أنت يا صاحب القميص الأبيض المدرسي...سال الغريب طالبا .
إنها مائتان وخمسون دينارا للشخص الواحد.....أجاب الطالب مستغربا.
حسنا ..شكرا لك يا ولدي.
شكرا لك يا سيدي إذن إنها مائتان وخمسون ...قلت بصوت عال ...لكي اسمعها ذلك..
الحافلة تسير بنا والوقت قصير جدا, وفي أي لحظة قد أصل إلى المكان الذي سأنزل فيه, ولا اعلم أنها أين ستنزل, فقد تكون تقصد مكانا اقرب مني, فتضيع علي فرص محادثتها, أو طلب رقم هاتفها أو بريدها الالكتروني.
وكأنني قد جننت, أو قد شربت شيئا مسكرا, وقد ذهب بعقلي, ولا اعلم أين ذهب خجلي الذي لازمني لسنين, وكأنني قد تركت كل خوف او تساؤل ورائي وسألتها :
هل أنت طالبة؟
- كلا لست كذلك.
أجابت وكأنها أرادتني أن أقول شيئا آخر, نعم إنها تختبرني, وتلعب معي لعبة فحاولت أن أقول شيئا آخر ففاجئني احد الركاب بقوله :
توقف أيها السائق توقف...أريد أن انزل...شارع المحافظة , نعم انه الشارع الذي انزل فيه, نظرت إليها نظرة أخيرة, ونزلت أسير باتجاه مكان عملي حزينا محبطا, توقفت لشرب الشاي, من أمام مبنى عملي كما كل يوم , والتفت ورائي وإذا بها تسير باتجاهي , وما تبدى من ملامحها البعيدة, أنها تقصدني , غيرت رأيي لن اشرب شايي , سرت حثيثا باتجاه باب المبنى, فوصلت إليَ ونظرت نظرة لطيفة وقالت:
أتعمل هنا؟
- نعم... وأنت؟ 
أنا  موظفة جديدة في القسم الهندسي.
يا لفرحتي وأنا اسمع جوابها, فإننا سنلتقي كثيرا إنها فرحة عارمة, وكبيرة لا توصف أبدا.
- أنا في القسم القانوني ,أنا عمر
-وأنت؟
تفوهت بحرفين(فا ), وإذا بالحراس يصرخون أوقفوه, وبدا رمي الرصاص ينهال على سائق سيارة بيضاء قديمة ,.فشعرت بعاصفة قذفتني إلى مكان آخر, ولم أر سوى ضوء شديد في عيني, ولم استطع أن أقول شيء, وأعضاء جسمي لا يمكنني أن أحركها , اعتقدت أنني قد مت, وان هذا الضوء هو العالم الآخر , لكن مايقال عن الراحلين, هو أن أرواحهم تخرج من الأجساد لكنني اشعر بجسدي, ولا استطيع التحكم به, لكن أول سؤال دار في خلدي, أين الفتاة الجميلة, لكنني لم أجدها بقربي, أرخيت نفسي قليلا, تنفست بعمق, فأرسلت نظري يمينا فيسارا, لكنني لم أجد لها من اثر.
رأيت أجسادا مقطعة, وأناس جرحى ودماء ترقش الإسفلت, هناك رجل بلا رأس, وآخر بلا يدين, وتلك محترقة, وآخر مقطوع نصفين .لكن أين الفتاة ؟ أين ذهبت ؟ ومالذي حدث؟ وماالذي جعل الشارع خرب هكذا؟ .لم أكن اقو على الصراخ, ولا سماع أي شيء مما كان يحدث في الأرجاء, .تساءلت هل أنا في حلم من جملة أحلامي اليومية المعتادة؟ أم إن الوضع الذي أعيشه هو حقيقة, لكن أي حقيقة, وأي حلم تتقطع الأجساد فيه هكذا, .فلم نكن معتادين على هكذا وضع.
رهنت جسدي إلى احد الشبان, الذين سقطوا لكي استطيع التحرك, ورفع راسي, فانظر في الفناء, فلم أر سوى ناس يتراكضون باتجاهنا, وجال امن صرعى ,.فنظرت إلى جسدي, وإذا أنا انزف بفضاعة من اغلب أماكن جسدي المرهق, فأحسست أنني افقد صحوتي شيئا فشيئا فاغمي علي.
هرعت سيارات الإطفاء, والإسعاف, الى المكان, وقاموا بحمل جثث القتلى وأجساد الجرحى وقام الطبيب بتفحص الأجساد, التي جلبت إليه واحدا واحدا, فأحال البعض إلى غرفة الطواريء, لتلقي الاسعافات والعلاج, وارسل الاخرين الى ثلاجة الطب العدلي.
كانت الحلام تتداعى على, كما افلام السينما , الواحد اكثر رعبا من الاخر, الى ان جاءتني الفتاة الجميلة ذاتها, ترتدي البياض الناصع, فوضعت يدها على جبهتي, فانتفضت بجسدي, احاول الصراخ فاستجمع قواي, في ذلمك المكان البارد جدا, لاصرخ حقا صرخة مدوية, تجمع عند مصدرها الاطباء والممرضون.
اما الطبيب فلم يكن دقيقا هذه المرة, او انني مت حقا فأحياني الله لأقص هذه القصة...
google-playkhamsatmostaqltradent