أشياء لا تكتب
١
فكرةٌ ما
شجرةٌ ما، أو امرأةٌ ما!
عطلٌ أو مجدٌ،
مزيد من الأحلامِ في غرفةٍ مهملة.
لا أحدَ معي،
ولا أعتقدُ أنّ ثمة من سيلحقُ بي،
أنا كثيرٌ من المعترضينَ على توحدي.
قاسٍ،
لأنَّ خزافا تأخرَ في تشكيلي.
لينٌ لأنَّ غيما يلاحقُني.
قَلِقٌ أشبهُ آخرَ ساعةٍ قبلَ الحربِ.
ثابتٌ كجلمودةٍ بمجرى،
يصرخُ ماءٌ من صمتي.
لا حركة،
لا رعشة،
لا صوت حفيفٍ أو خشخشةَ أوراق.
من يعيدني؟
حبلي السري ما زالَ في أرض حرام.
من يسمعُني؟
ساكنةٌ كصوتِ ناي،
كلما صاح جنوبٌ،
مثل قطيعٍ للبكاءِ،
تركضُ عيوني.
امتلأ رأسي حزنًا ثم امتلأ رأسي فرحًا،
ثم حزنًا، وحربًا…
وحبًّا حتى كبر.
هكذا حتى صغرَ العالم.
٢
مبللٌ بالمحوِ،
كمنْ يجرُّ هيكلَ بدايته،
يطحنُ في الخطواتِ حبَّ التعبِ
تسكنهُ لعنةُ الاكتمالِ، لكنَّهُ بالحقيقةِ يتناقص.
كمن نوى على سفرٍ،
سبُتَ في مكانهِ،
فاستيقظَ فيهِ مكانٌ آخر.
مُوزّع بينَ ما أعرفهُ،
وبينَ الذي أحاولُ اكتشافه.
أتحرر من حقائبي،
لبلابةُ غربةٍ ملتفةٌ حولي.
الحياة لا تُطاق،
لأن الطرق التي تؤدي إليها منتهيةٌ.
لا تُطاقُ…
لأنَها غيرُ لائقةٍ بمشاءٍ مثلي.
مبللٌ بالفضيلةِ،
لمْ يبقَ رطباً على الحبل غيري.
كل الذين مروا بي ..
جفّوا.
خارجٌ على الزمن،
أمقتُ الساعةَ ابنة الكلبِ أعلى رأسي.
ولأنّي من نعاسٍ،
لا أهتمُّ لقلقٍ حتى مطلعِ الفجرِ،
يأكلُ بقلبي.
ولأسبابٍ أستطيع أن أملأ بها جرارًا،
أحتاج مزيدًا من الأعداء.
ولأني من شعرٍ،
تقتلني الرتابة،
يعصفُ بي التكرارُ.
ولأجل بقائي حيًا،
أكتبُ أشياءَ لا تُكتبُ.
كأن أُحاول ألاّ أُحاول.
كأن أكون أقدامي
فأسحقُ ظلي.
أنا منزعجٌ من الكتابةِ الآن،
وبعد الآن منزعج من مدينة تنام برأسي،
من رأسي،
حين يصير قبرًا لقصائد سيئة،
أو شاهدًا لشاعرٍ مزيف…
من شبيهي،
أي عدم هذا !
جسدي،
كفاكَ ملاحقتي.
٣
سرٌّ في بقائي
إنني تركتُ الهواءَ،
أوصدتُ أبوابَ رئتي، ثم أطلقتُكِ تتنفسين.
اندماجي بمنْ أحبُّ صار فنائي.
هكذا قُيّضَ لي العيشُ،
فما عجيبٌ أمرُ حياتي !
كل الذينَ بها يتكاثرونَ، حتى وحدتي.
أحلمُ أن أكونَ الذي حولي، كي أُغيضَ المتمرداتِ
حتى أكونَها أو تكونني.
أنا من عزلةٍ،
بعضي يتحدثُ عن بعضي.
من ليلٍ، ترقدُ قصائدُ قربي.
من دخانٍ وامرأةٍ وسكينة،
أحبُّ بصمتٍ، حتى يتحدثَ اللهُ عنّي.
أنا عشبةٌ، أنتِ نارٌ تلفُّني!
أرأيتم محاصرًا مثلي؟
أنا من حزنٍ،
وكلّما لامستني شفةُ الريح،
تعالتْ تراتيلي.
جسدي ناحلٌ، جسدي لا يمسكُ غير الحزنِ،
جسدي .....
حتى النايات، لا تشجي أكثر مني.
مهملٌ مثل شراعٍ فطمتهُ ريحٌ.
مرتابٌ مثل بحرٍ تمضغهُ عاصفة.
أنا لأجيءٌ خانهُ الوطنُ مرارًا...
حتى سقطَ في فخِّ القصيدة.
أنا من عطشٍ،
كلما أشرتُ للماءِ
تساقط عطشي.
هل تراني؟
أنا أذوبُ يا اللهُ!.
حدَّ الاضطراب وَلِهٌ قلبي.
روحي معذبةٌ،
أتلاشى في أزقتها.
أنا تائهٌ في مدينةٍ،
على أبوابِها بصمةُ حنّاءٍ.
بعضي على الجدرانِ غبارٌ،
بعضي على الشبابيكِ،
في الشوارعِ بعضي…
يا اللهُ …
قريبًا كنتُ منكَ أشعرُ بالوحدةِ،
بعيدًا
كنت وطنًا بلا جدوى.
نبيل نعمة/العراق