نص ( وأُصفّفُ الموتَ في أهدابي ) للشاعر ( أنمار كامل حسين ) / تحليل ونقد / عبد الحسين الشيخ علي
الشاعر أنمار من جيل الشباب لكنه ومن خلال نصوصه النثرية تظهر ثقافته الاطلاعية على الثقافة والأساطير الغربية والتي تظهر جلية من خلال زجه بمفردات يحاول من خلالها إبراز النص النثري وهذه الميزة مهمة حتى وان كانت تلك الاسماء اسطورية ذلك لان الاطلاع على الميثولوجيا تعطيه اختصارات مهمة في ايجاز الجملة النثرية بدل الاسهاب الذي يعتبر شبيه بالسرد الذي يعتمد في الرواية , وان من اساسيات الكتابة المعرفة التي تعطيه مساحة كبيرة لاختيار نوع الاسطورة حيث تتوفر لديه حينها أسماء وقصص عديدة لإدخالها في النص وبتوفر الفكرة ومن ثم الأسلوب لتكوين الجمل النثرية تباعا لاظهار او إبراز العلة من وراء كتابته للنص مضافا الى ادبياته البيئية او التي هي من الواقع او التاريخ القديم او المعاصر فنجده قاريء جيد للتاريخ وشديد الملاحظة للواقع , والملفت في نصوص ( انمار ) هو الملاقحة بين الاسطورة والحقيقة والروايات وسيظهر هذا من خلال قراءتنا لنصه ( وأُصفّفُ الموتَ في أهدابي ) , فمن خلال عنوان النص نجد ان هنالك امر قد ترسخ في الشعور أوصله الى ان يتفاعل مع الموت او انه قد اندمج معه حتى بدت الرؤيا لديه الى حد انه يعمل على ترتيب او كما وصفه (وأُصفّفُ ) بمعنى يمشطه ويجعله قرينا لأهدابه في كل رمشه ومن ثم يبدو عليه الاضطراب عند الدخول في النص مخاطبا تلك الحبيبة بعد ان اجهده الغياب حين يصف الحال في بداية النص (ها أنا ذا أتلاشى ) ثم يصعد النفس الشعري لديه ليصف شعوره وتأثير هذا التباعد او الغياب وما يدور في خاطره ويشعر به لكنه يعيد ترتيب تلك الصور المبعثرة والمشوشة لديه رغم الدهشة والذهول الذي ينتابه لعله يراها كما هي ويتحقق التقارب بانكسار المانع الذي سبب هذا التباعد كأنه سد منيع (عَلّي أَراكِ تَندلعينَ في رَأسي ) لكنه فجأة تتفجر لديه ثورة انفعالية ارتدادية وكأنه يعاقب افكاره المتشبثة بها فهو امام خيارين اما ان تكون او لا تكون حين يقول ( أو يتوارى ذِكرُكِ النازيُّ في عَطَشِ الحُقُولِ ) فالخيار الثاني هو تلاشي ذكرها المتطرف ( النازي ) ويتحرر من قيود ذكرها كما تشرب الحقول الماء ويغوص في الأعماق ولا يبقى له من اثر كما حدث للفكر النازي بعد هزيمته فلا مفر من احد الخيارين .
في المقطع التالي والذي يبدأ ب (مازالَ سيزيف يُدحرجُ صَخرتَهُ الثَّقيلةَ في رأسي ) يظهر عليه التراجع عن خياره الثاني ويظهر جليا جبروتها ومدى العاطفة وعمقها لديه فاستعان بشخصية أسطورية وهو ( سيزيف ) الذي عاقبه كبير الآلهة زيوس، فعاقبه بأن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل القمة تدحرجت إلى الوادي، فيعود إلى رفعها إلى القمة، ويظل هكذا حتى الأبد، فأصبح رمز العذاب الأبدي .لذا يحاول تبرير موقفه وما هو عليه من تشظي وعدم استقرار في كيفية التعامل مع الموقف وكيف تدور او تتدحرج الافكار والتوقعات في رأسه ؟ ثم تتوالى التراجعات في بقية المفردات النثرية وانفلات مشاعره الحقيقية والتأملات التي تأتي تباعا في ان يتلاشى هذا الغياب والتباعد وانه في حالة لا تسمح بالانتظار طويلا خلف قضبان الغياب الذي تكدس في ما بينهم فهو يصف حاله من الضعف والتضحية ك احدب نوتردام حين يقرع اجراس الكنائس لاجلها لكي يراها حتى ترأف بحاله فكل الأشياء بدت له لا معنى لها بدونها وانه على اتم الاستعداد لبذله من اجل قربها حتى وان تطلب الامر ان يكون كما وصف في نهاية النص ( وأكونَ لَكِ أحدبَ نوتردامَ مثلاً ( أو مُهرِّجاً بغيضاً ) (يُسرفُ في القهقهاتِ ) , لكن الامر قد حُسِم وانتقلت تلك ( الحبيبة ) الى عالم أخر بعد ان نشب المرض أظفاره في جسدها وكانت النهاية ( الموت ) الذي أوصله إلى ( النحيب ) فيبدو من خلال بداية النص عمق العلاقة والتعلق ما بينهما حيث قال (أيتُها الكثيرةُ جداً ) وهذا الوصف لما تمثله لوجدانه وكينونة وجوده حيث دعاه للبحث عن مفردات يسرب من خلالها شدة الالم والذكريات التي تحولت الى ارق وقلة حيلة فتارة تجده يصف حاله ك ( سيزيف ) ويعتبر ما الم به عقوبة , وتارة يبدو كانه مثل احدب نوتردام المنعزل عن العالم بسبب قبحه لكنه نقي القلب مرهف الاحساس حيث وظفه قس الكنيسة لقرع أجراس الكنائس وهي استعارة رائعة من الشاعر بوصف مرحلة الاحساس والفراغ بعد رحيل حبيبته لان يتصور في بعض الاحيان انها نائمة و لعلها تعود تارة أخرى حين تسمع صوت اجراس الكنائس وهذا ما وجدناه في وصف رحيلها ( موتها ) بالغياب لان تلك الكلمة تعني له العودة من جديد ؟ لكنها بدت له كفكرة تلاشت ولم يعد لها وجود فيسرف في الضحك الذي ينبع من التداخل بين التصديق من عدمه كأنه مهرج .
اعتمد الشاعر على المذهب الادبي الرمزي هو مذهب أدبيّ فلسفي يقوم بالتعبير عن تجربة عبر عنها بواسطة الرّمز أو التلميح أو الإشارة، بعيدًا عن عالم الواقع مقتربًا إلى عالم الخيال، والرمزية بمذهبها الأدبيّ ليبحث عن مثالية مجهولة تعوّضه عن غياب وتجربة مريرة ، وذلك عن طريق استخدام الألفاظ الموحية محاولة منه للتحرر من القيود التقليدية للشعر كالوزن والقافية واعتماد النص النثري .....
وأُصفّفُ الموتَ في أهدابي
:
ها أنا ذا أتلاشى
أيتُها الكثيرةُ جداً
أمضغُ حَوافرَ الغيابِ
المُعبأِ بالدَهشةِ
وأُعيدُ لملَمةَ السّكونِ
في صَخبِ المرايا
عَلّي أَراكِ تَندلعينَ في رَأسي
أو يتوارى
ذِكرُكِ النازيُّ في عَطَشِ الحُقُولِ .
مازالَ سيزيف
يُدحرجُ صَخرتَهُ الثَّقيلةَ في رأسي
يَطهو الحقيقةَ
خَلفَ قُضبانِ الغيابِ
والوَسائِدُ ثَكّلى
فكُلُّ هذا القُطنِ الجائرِ
لا يُضمدُ جِراحَ وسادةٍ
والملحُ أعمى يَتشظّى
كالرَّملِ المسفوُكِ شَوقاً
في تَجاعيدِ القَصيدةِ
تَعالي لِنُراقِصَ جُثثَنا المعطوبةَ
خلفَ الحَرائقِ الهَزيلةِ
نطرُقُ الأبوابَ ولا نهربُ
مِنْ هَرطقةِ القِسّيسينَ
صَوبَ المنافي
من خِتانِ الفكرةِ في مَهْدِها
أو طَعنِها في أفواهِ الجائعينَ .
أنا مُتقوِّسٌ بِما يكفي
لأقرعَ أجراسَ الكنائسِ في مَنامِكِ
وأكونَ لَكِ أحدبَ نوتردامَ مثلاً
أو مُهرِّجاً بغيضاً
يُسرفُ في القهقهاتِ
حَدَّ النَّحيبِ
~~~~~~~~~