للشاعرة حوراء الربيعي
الحسين بن خليل :
ــــــــــــــــــــــــــــ
كاتب النص لأول وهلة يجد نفسه يبحر في فضاء معرفي عليه أن يلتقط وهو في نيته وضع لوحة من مفردات ومعاني يعبر فيها عن اختلاجاته النفسية والعاطفية، أو أنه يحاول جذب الانتباه لما تتحسسه اعماقه، هذه المعرفة تستطيع أن تفرز شاعرا محترفا أو غير ذلك كلما ازدادت وأخذ يتلقف الشاعر أي التعابير اكثر موائمة لرسالته، فالنص هو رسالة موجهة لجمهور وإن كان في الغالب كتب لشخص معين، لكن الامتلاك والمراوغة في الصناعة، والصياغة تجعل الرسالة الأدبية مؤثرة، ويصل صدى مضمونها أسرع مما لو حدث العكس، في النهاية جمالية النص تتحدد في مقدرة الشاعر على الإتيان بصورة شعرية مع مفردات لغوية تذهب بالقارئ إلى الإبتسامة من الدهشة في اصطياد المعنى.
الشاعرة حوراء الربيعي قصدت قصيدة النثر لإيمانها أنها تستطيع صنع بلورة أدبية وتضعها في معرض يرتاده القراء، اختياري النص (رِيَشٌ على دَكةِ الحِبر) هو محاولة مني لتفسير السبب الذي جعلني ابتسم وأنا أقرأ فالبعد اللغوي والعاطفي في الصورة الشعرية تحدد فلسفة الشاعر في طرح المُتلقي للنص لاستفهامات ذاتية حينما ينقل تجربة الشاعرة ويطبقها على تجربته الخاصة، فالمهم في النص أن يرى المتلقي انعكاس له في مضمونه.
في المقطوعة الاولى
على جناح عثة تُحلقُ آرابي
تهربُ من تآكل أطرافها
المدنُ
ما عادَ لها نفاذٌ طرقُ عتابي
استطاعت الشاعرة توظيف الأفكار والعاطفة والترميز اللغوي لترسم لوحتها الادبية في النص النثري حينما خيّلت للقارئ امنياتها المحلقة في سماء واقعها وهي تبحر من أجل اقتطاع السكينة العاطفية لروحها، لكن هذه الأجنحة رثّة وهنا الشاعرة استطاعت ان تضع امامنا امنيات وأجنحة وواقع وأرادت أن يكون المشهد اكثر إيلاما عندما أخبرتنا أن أجنحتها التي تسافر بها نحو امنياتها رثة لا تحملها بالشكل الذي يلبي طموحها خاصة وأن الأجنحة تهرب الى ذاتها من تآكل الأطراف، أنى لها بلوغ المدن التي تحب وهي لا تنفذ بامنيتها التي وضعتها على هذا النوع من الأجنحة.
الشاعرة رغم انها أجادت في رسم الصورة لكنها فضحت رسالتها مبكرا من أول مشهد واقرأت المتلقي أنها تقتطف له جانب سوداوي من تجربتها الحياتية لكن ما يشفع لها أنها وضعت الأمر برمته مفتوحا، وهنا القارئ المترقب سيحاول فهم ما بعد السوداوية ويواصل القراءة.
في المقطع
تزخُ من أعلى الأيام
نقاطٌ كثيرة
وبفارزةِ فضٍ كُبرى
يقلِّبُ الورق فؤادي
أبذرُ الفرصَ هُنا وهُناك
علَّ واحدةً مِنها تنجو
لتكون بارًة وتصدُقَ معي
هنا بدأ الإيقاع يتصاعد بوجود انزياح في أن الأيام حبلى بالنقاط التي أشارت إليها والتي تضع تفسيراتها مفتوحة للمتلقي في كل مرة يستطيع رسم لوحة من هذه النقاط والفوارز التي تزخها الأيام على أوراق فؤادها التي قد نذهب إلى تفسيرها باعتبارها السيرة الذاتية للوجع أو الفرح فالإبهام هنا يتطلب منا أن نواصل القراءة لفهم هذه النقاط والفوارز ومعرفة مدلولها في النص والفلسفة من تركها بلا تعاريف على ورقة العمر.
هل يمكن أن تكون هذه النقاط الكثيرة فرصا مبذورة تبحث الشاعرة عن نجاة واحدة منها في كل تفصيلة وتكون بارّة لها وصادقة في اعطاءها ماتريد وهنا لا بد من المتلقي أن يجد نفسه في هذه الفرص وينقب عن أي منها نجا وصدق معه ليصفح عنها مع من حوله أو مع ذاته وبذلك نعود إلى كون النص الأدبي هو رسالة ولو تحقق الانعكاس مع الجمهور فإن رسالة النص ستكون بليغة جدا.
أعاركُ المسميات على دكة النحب
علَّ أشواك السُكرِ تقتلعُ اللهفةَ مِن اللقاء
لأستطيعَ رميها خلسةً
في حِجر نأيك
من المآخذ على النص أنه وعلى ما اعتقد كتب بطريقة متقطعة وهناك صمت يفصل بين صورة وأخرى ويجعل النص لو فُكك عبارة عن عدة مواضيع وهنا نبتعد عن وحدة الموضوع وبلورية قصيدة النثر مالم يتدارك النص في انتقالاته.
الشاعرة انتقلت من الترميز المطلق الى التشخيص بسرعة كبيرة عندما تقودنا أو تجبرنا على الإستعلام المُلِح عن ماهية المسميات التي تتعارك معها خاصة وأنها تتعارك على دكة نحيب لماذا هذا العراك؟.. ولماذا على هذه الدكة بالذات؟..
إنها تتأمل الثمالة رغم أشواكها لتكون المنقذة في اقتلاعها للهفة اللقاء وهو ينأى بلا مُبررات، وهنا بدت معالم اللوحة تكتمل بالبوح عن بعض المسميات التي كشفت عن ملامحها في البدء وهي تلمح لـ ( لقاء ولهفة ونأي )
ململمةً من الذكريات ضحكاتها
أردي بها لجوفِ التوديع
علِّي أستمكنُ لصقَ عينيكَ بأدمُعي
فلا تثمنُ الزيفَ
أو التوارِ خلفَ الأعذار
الرسالة تنتقل إلى المباشرة والتأثير في كل مرة تكشف لنا عن مسمياتها المخبوءة في مقاطع النص الأولى من خلال استدعاء لفظي وعاطفي لصور ضاحكة عندما تلملمها من شريط الذكريات بينها وبين ذلك النائي ثم تصرخ بطريقة أدبية عندما تضع هذه الإستدعاءات في كفة الميزان أمام الجفاء والتوديع الذي يسبقه من أجل محاولة بلصق عينيه بادمعها، هذا التعالي في الفعل المراد تحقيقه من تعليق الدمعة بالعين فهي لم تقل الصق دمعي بعينيك على اعتبار أن الدمع هو وليد للعيون لكنها استدعت عيونه لتلصق دموعها وهذا يجعلني أنحني لحرفتها في تسخير المعنى بتعالي منفرد، كونها تريد النتيجة من الموازنة بين الكفتين محسومة لصالحها عندما لا تجعله قادر على التواري خلف الأعذار.
أُفكر في سرقة منجل الموت
لأحصد سبع سنابل
من عمري
أنت فيها مائةُ ذكرى
هنا تجيء الابتسامة المنشودة عند قراءة النص الأدبي ليكون غنيا بفنياته كون هذا المقطع يحتوي على كل عناصر النص النثري الإكتناز والتكثيف والمفارقة والدهشة واحتواءه على الشاعرية الرائعة التي تجعلنا نصفق دون شعور، فالمقطع واضح تماما فهو مصاغ بلغة سلسة وسهلة ومرسوم كصورة شعرية ليست متكلفة او غامضة لكنها عميقة المعنى إذ يمكن اعتبارها نتيجة حتمية للمسميات التي عانت منها فهي تفكر في استخدام منجل موت مسروق لتحصد اجمل السنابل في عمرها هو يشكل فيها العدد المحبب في العد وهو مائة ذكرى فهذا العدد غالبا ما يشير للامتلاء أي أن سنابلها السبع المراد حصدها ممتلئة بهذه الذكريات لكنها قررت حصدها بمنجل الموت كونها رغم حلاوتها تسبب الوجع.
ظلِّي المُتقافزُ عبثًا بين السطور
يجربُ ارتقاءَ "الترامبولين"
علَّ طفراته تفدُ الربَّ
فيشكو له العمى بعد إخمادك لي
تتسائل الشاعرة عن امكانية إيفاد قفزاتها ما بين السطور في كل مرة تيأس من الوصول فتحاول تجربة ارتقاء ( الترامبولين ) لتشكو للرب إخماده لثورتها التي تحب.
الأوراق المُلطخةُ بذنوب أعيني
ما عادت تصلحُ لسوادِ المحابرِ
ولا الرِّيَشُ قادرة على خطِّ رسائل التوديع
هي تختم النص بالعودة لأوراقها والنقاط التي زختها الأيام عليها وتبلغنا أنها لا تصلح لسكب الحبر عليها فهي ملطخة بالدموع والذكريات الموجعة فالرِيَش تعجز عن خط رسائل توديع لتجارب جديدة فالاكتفاء من التجارب وصل مرحلته الأخيرة معها وإني أرى أن هذا النص يمكن اعتماده كنموذج حي لنصوص الشاعرة في قصيدة النثر وعليها أن تفخر بمقدرتها على هذه الرسمة، فهي أجادت بإيصال رسالتها لنا بطريقة استثنائية وهي الغاية من وراء ذهاب الكاتب إلى اعتناق أي من الاجناس الأدبية لترجمة أحاسيسه
تصدعُ البور لا يشد الأسماع
اعتاد على تهشمهِ
خاطري
أختم قرائتي للنص بفقرته الأخيرة واستعير من الكاتبة الإبهام المؤقت لأجعل المتلقي يحرك المياه الراكدة في أعماقه حول نص ما ليقرأ وفق تجربته الحياتية وما يملكه من معرفة.
"رِيَشٌ على دَكةِ الحِبر"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حــوراء الربيعي / العراق
على جناح عثة تُحلقُ آرابي
تهربُ من تآكل أطرافها
المدنُ
ما عاد لها نفاذ طرقُ عتابي
تزخُ من أعلى الأيام
نقاطٌ كثيرة
وبفارزةِ فضٍ كُبرى
يقلِّبُ الورق فؤادي
أبذرُ الفرصَ هُنا وهُناك
علَّ واحدةً مِنها تنجو
لتكون بارًا وتصدُقَ معي
أعاركُ المسميات على دكة النحب
علَّ أشواك السُكرِ تقتلعُ اللهفةَ مِن اللقاء
لأستطيعَ رميها خلسةً
في حِجر نأيك
ململمةً من الذكريات ضحكاتها
أردي بها لجوفِ التوديع
علِّي أستمكنُ لصقَ عينيكَ بأدمُعي
فلا تثمنُ الزيفَ
أو التوارِ خلفَ الأعذار
أُفكر في سرقة منجل الموت
لأحصد سبع سنابل
من عمري
أنت فيها مائةُ ذكرى
ظلِّي المُتقافزُ عبثًا بين السطور
يجربُ ارتقاءَ "الترامبولين"
علَّ طفراته تفدُ الربَّ
فيشكو له العمى بعد إخمادك لي
الأوراق المُلطخةُ بذنوب أعيني
ما عادت تصلحُ لسوادِ المحابرِ
ولا الرِّيَشُ قادرة على خطِّ رسائل التوديع
تصدعُ البور لا يشد الأسماع
اعتاد على تهشمهِ
خاطري